الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

64

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الجهل ، ولو عمل أحد معصية وهو غير عالم بأنّها معصية لم يكن آثما ولا يجب عليه إلّا أن يتعلّم ذلك ويتجنّبه . وقوله : مِنْ قَرِيبٍ ، من فيه للابتداء و قَرِيبٍ صفة لمحذوف ، أي من زمن قريب من وقت عمل السوء . وتأوّل بعضهم معنى مِنْ قَرِيبٍ بأنّ القريب هو ما قبل الاحتضار ، وجعلوا قوله بعده حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ يبيّن المراد من معنى ( قريب ) . واختلف المفسّرون من السلف ومن بعدهم في إعمال مفهوم القيدين « بجهالة - من قريب » حتّى قيل : إنّ حكم الآية منسوخ بآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] ، والأكثر على أنّ قيد ( بجهالة ) كوصف كاشف لعمل السوء لأنّ المراد عمل السوء مع الإيمان . فقد روى عبد الرزاق عن قتادة قال : اجتمع أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم فرأوا أنّ كلّ عمل عصي اللّه به فهو جهالة عمدا كان أو غيره . والذي يظهر أنّهما قيدان ذكرا للتنبيه على أنّ شأن المسلم أن يكون عمله جاريا على اعتبار مفهوم القيدين وليس مفهوماهما بشرطين لقبول التوبة ، وأنّ قوله تعالى : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ إلى وَهُمْ كُفَّارٌ قسيم لمضمون قوله : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ إلخ ، ولا واسطة بين هذين القسمين . وقد اختلف علماء الكلام في قبول التوبة ؛ هل هو قطعي أو ظني فيها لتفرّع أقوالهم فيها على أقوالهم في مسألة وجوب الصلاح والأصلح للّه تعالى ووجوب العدل . فأمّا المعتزلة فقالوا : التوبة الصادقة مقبولة قطعا بدليل العقل ، وأحسب أنّ ذلك ينحون به إلى أنّ التائب قد أصلح حاله ، ورغب في اللحاق بأهل الخير ، فلو لم يقبل اللّه منه ذلك لكان إبقاء له في الضلال والعذاب ، وهو منزّه عنه تعالى على أصولهم ، وهذا إن أرادوه كان سفسطة لأنّ النظر هنا في العفو عن عقاب استحقّه التائب من قبل توبته لا في ما سيأتي به بعد التوبة . وأمّا علماء السنّة فافترقوا فرقتين : فذهب جماعة إلى أنّ قبول التوبة مقطوع به لأدلّة سمعيّة ، هي وإن كانت ظواهر ، غير أنّ كثرتها أفادت القطع ( كإفادة المتواتر القطع مع أنّ كلّ خبر من آحاد المخبرين به لا يفيد إلّا الظنّ ، فاجتماعها هو الذي فاد القطع ، وفي تشبيه ذلك بالتواتر نظر ) ، وإلى هذا ذهب الأشعري ، والغزالي والرازي ، وابن عطية ووالده أبو بكر ابن عطية ، وذهب جماعة إلى أنّ القبول ظني لا قطعي ، وهو قول أبي بكر